سعيد حوي
2009
الأساس في التفسير
قال صاحب الظلال تعليقا على هذه الآية : « لقد انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى التي أرسل لها انتهت مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين فرعون وملئه ، وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء الطليقة ، في طريقهم إلى الأرض المقدسة . . ولكن القوم لم يكونوا بعد على استعداد لهذه المهمة الكبرى . . مهمة الخلافة في الأرض بدين الله . . ولقد رأينا كيف اشرأبت نفوسهم إلى الوثنية والشرك بمجرد أن رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم . ولم يمض إلا القليل ! فلم يكن بد من رسالة مفصلة لتربية هؤلاء القوم ، وإعدادهم لما هم مقبلون عليه من الأمر العظيم ومن أجل هذه الرسالة المفصلة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه ويتلقى عنه . وكانت هذه المواعدة إعدادا لموسى لنفسه ، كي يتهيأ في هذه الليالي للموقف الهائل العظيم ، ويستعد لتلقيه . وكانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة ، أضيفت إليها عشر ، فبلغت عدتها أربعين ليلة ، يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود ، وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق في هواتف السماء ، ويعتكف فيها عن الخلق ليستغرق فيها في الخالق الجليل ، وتصفو روحه وتشرق وتستضىء ، وتتقوى عزيمته على مواجهة الموقف المرتقب وحمل الرسالة الموعودة . وألقى موسى إلى أخيه هارون قبل مغادرته لقومه واعتزاله واعتكافه - بوصيته تلك : وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ذلك وموسى يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه ، ولكن المسلم للمسلم ناصح . والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم ، ثم إن موسى يقدر ثقل التبعة ، وهو يعرف طبيعة قومه بني إسرائيل . . وقد تلقى هارون النصيحة لم تثقل على نفسه ، فالنصيحة إنما تثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه ، وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار الذين يحسون في النصيحة تنقصا لأقدارهم . . . إن الصغير هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده ليظهر أنه كبير ! ! ! فأما قصة الليالي الثلاثين وإتمامها بالعشر الليالي فقال عنها ابن كثير في التفسير : « فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة ، قال المفسرون . فصامها موسى عليه السلام وطواها ، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة ، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين » .